محمد أبو زهرة
1437
زهرة التفاسير
وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ شكر النعمة القيام بحقها ، وأداء ما ينعم اللّه تعالى به من نعم في مواضعه ، فإذا أعطى فشكر العطاء بإنفاقه في مواضع الإنفاق ، وإذا منح القوة فشكرها أن يجعلها لنصرة الحق وخفض الباطل ، وإذا أعطى نعمة الحكمة والفكر السليم ، فيكون الشكر بتسخير ذلك لنفع العباد ، وهدى الناس ، وإرشادهم إلى طرق البحث وتذليل الأرض لهم ، وأن يكون ما ينتجه للعمارة لا للخراب . وهنا نجد النص لم يبين الجزاء ، ولم يبين من الذين يتصفون بالشكر من طلاب الدنيا أو طلاب الآخرة ، وقد ترك الجزاء من غير بيان ليعم الجزاء الدنيوي ، والجزاء الأخروى ، فمن طلبوا الدنيا واتخذوا أسبابها ، ونصروا الضعيف ، وخذلوا القوى ، وعمروا الأرض ولم يفسدوها ، ولم يطرحوا ما عند اللّه تعالى بل طلبوه ، كانوا من الشاكرين . واستحقوا الجزاءين : جزاء الدنيا بأن يصلوا إلى النتائج التي قصدوها ، وهي العلو في الأرض من غير طغيان ، والجزاء في الآخرة عند تجلى الرحمن . ولم يبين سبحانه من هم الشاكرون ؟ أهم طلاب الدنيا أم طلاب الآخرة ، وذلك لأن المطلبين ليسا متضادين ، بل إنهما يتلاقيان ، وإنه عند التحقيق لا يعد طالب الدنيا سالكا طريقها إلا إذا طلب الآخرة فيها ، وأذعن لقدرة الخالق في طلب الحياة الدنيا ، فكل شئ عنده بمقدار ، فمن اعتمد على الأسباب الدنيوية وحدها من غير تفويض اللّه معها فإنه يعاند قدرة اللّه ، ولا ينجح له تدبير ، ولا ينته إلى غاية في تفكير ، وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 18 ) [ الأنعام ] . ولذلك كان الشكر مشتركا عند طلاب الدنيا إن طلبوها على وجهها وطلاب الآخرة ، وإنه عند التحقيق أيضا طلب الآخرة لا ينقطع تماما عن طلب الدنيا ، فإن الزهد في الإسلام طلب الحلال وليس إعراضا عن الدنيا ، وإن من